ابن تيمية

122

مجموعة الرسائل والمسائل

تنكر من هذا شيئاً ؟ فيقول : لا يا رب ، فيقال له لا ظلم عليك اليوم ، ويؤتى ببطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة " فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يظلم بل يثاب على ما أتى به من التوحيد ، كما قال تعالى ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) . وجمهور هؤلاء الذين يسمون أنفسهم عدلية يقولون من فعل كبيرة واحداً أحبطت جميع حسناته وخلد في نار جهنم ، فهذا الذي سماه الله ورسوله ظلماً يصفون الله به مع دعواهم تنزيهه عن الظلم ، ويسمون تخصيصه من يشاء برحمته وفضله وخلقه ما خلقه لما له فيه من الحكمة البالغة ظلماً . والكلام في هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع ( وإنما ) نبهنا على مجامع أصول الناس في هذا المقام . وهؤلاء المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة يوجبون على الله سبحانه أن يفعل بكل عبد ما هو الأصلح له في دينه ، وتنازعوا في وجوب الأصلح في دنياه ، ومذهبهم أنه لا يقدر أن يفعل مع مخلوق من المصلحة الدينية غير ما فعل ، ولا يقدر أن يهدي ضالاً ولا يضل مهتدياً . وأما سائر الطوائف الذين يقولون بالتعليل من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وأهل الكلام وغيرهم والمتفلسفة أيضاً فلا يوافقونهم على هذا بل يقولون أنه يفعل ما يفعل سبحانه لحكمة يعلمها سبحانه ، وهو يعلم العباد أو بعض العباد من حكمته ما يطلعهم عليه وقد لا يعلمون ذلك . والأمور العامة التي يفعلها تكون لحكمة عامة ورحمة عامة ، كإرسال محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كما قال تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) فإن إرساله كان من أعظم النعمة على الخلق وفيه أعظم حكمة للخالق ورحمة منه لعباده كما قال تعالى ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) وقال تعالى ( وكذلك فتنا